عفيف الدين التلمساني
109
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : إن طلبت من سواي فادفن معرفتك في قبر أنكر المنكرين ) . قلت : هذا الأدب يختص بأهل المعرفة ، وقد بينا أن مقام المعرفة فيه اعتبار السوى واعتبار الحقيقة ففيه السوى بالجملة ، وحينئذ يتعين خطاب صاحبه بمثل هذا التنزل ، وهو أن صاحب هذا المقام إن كان ممن يغلب عليه باطل هذا المقام على حقه حتى يفضي الأمر به إلى أن يطلب من غير الحق فهذا وإن كان في مقام المعرفة إلا أنه يحق له أن يدفن معرفته في قبر أنكر المنكر بين أي قبر جسمه ومعارفه مدفونة وهو بمنزلة أنكر المنكرين ، وذلك حيث كان استعداده قد تقهقر به بعد العرفان إلى أن تعرض إلى الطلب من السوى وهو نهاية النقصان ، وهذا التنزل على حكم الاستعارة ، فافطن لهذه الآداب ، وأعرض فيها عن الأسباب ، وتعرض لنفحات مواهب الوهاب . قوله : ( وقال لي : إن جمعت بين السوى والمعرفة محوت المعرفة وأثبت السوى وطالبتك بمفارقته ولن تفارق ما أثبتّه أبدا ) . قلت : هذا التنزل فيه تصنيف لمن هو موصوف بهذه الصفة المذكورة آنفا وهو الذي قلنا يكون عارفا ثم يطلب من السوى فهذا هو بعينه الذي جمع بين السوى والمعرفة وأخطأ الأدب ، فذكرت في هذا التنزل عقوبته وهي أن تمحو المعرفة وتثبت السوى ، وهو في نفس الأمر مطالب بمفارقة السوى إذ هي من شروط طريقه فأخبره أنه لن يستطيع مفارقة ما أثبته وينبغي أن يعلم أن محوه للمعرفة وإثباته للسوى ليس هو بالجعل ولا عن قصد أن يكون عقوبة ، بل الحقيقة تقتضي لذاتها أن تنمحي المعرفة المجاورة للسوى ، وعلامة صحة ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : « إن اللّه تعالى يقول : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو للشريك لا لي » . هذا معنى الحديث ، فإذن ثبوت السوى مع المعرفة هو بعينه ثبوت السوى وحده وهما حقيقتان لا تجتمعان من جهة واحدة ، وإنما صاحب هذه الدرجة يتوهم جمعهما فتتحقق له العقوبة المذكورة عنهما تحققا ذاتيّا .